ابن رشد

141

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

[ 136 ] فيجب ألا يصرّح للجمهور بما يؤول عندهم إلى إبطال هذه الظواهر [ - ج . ظاهر : ظواهر النص ) ، فإن تأثيرها في نفوس الجمهور إنما هو إذا حملت على ظاهرها . وأما إذا « 81 » أوّلت فإنما يؤول الأمر فيها إلى أحد أمرين : إما أن يسلّط التأويل على هذه وأشباه هذه في الشريعة ، فتتمزق الشريعة كلها ، وتبطل الحكمة المقصودة منها . وإما أن يقال في هذه كلها إنها من المتشابهات . وهذا كله إبطال للشريعة ومحو لها من النفوس ، من غير أن يشعر الفاعل لذلك بعظيم ما جناه على الشريعة . « 82 » مع أنك إذا اعتبرت الدلائل التي احتج بها المؤولون لهذه الأشياء تجدها كلها غير برهانية ، بل الظواهر الشرعية أقنع منها . أعني : أن التصديق بها أكثر . وأنت تتبين ذلك من قولنا في البرهان الذي بنوا عليه نفي الجسمية . وكذلك تتبين ذلك في البرهان الذي بنوا عليه نفي « 83 » الجهة ، على ما سنقوله بعد . [ 137 ] وقد يدلك على أن الشرع لم يقصد التصريح بنفي هذه الصفة للجمهور « 37 » : أنّ لمكان ( - نظرا ل ) انتفاء هذه الصفة « 84 » عن النفس ، أعني الجسمية ، لم يصرح الشرع للجمهور بما هي النفس ، فقال في الكتاب العزيز : « وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا » ( الإسراء 85 ) . وذلك أنه يعسر قيام البرهان عند الجمهور على وجود موجود قائم بذاته ليس بجسم . ولو كان انتفاء هذه الصفة مما يقف عليه الجمهور لاكتفى بذلك الخليل صلى اللّه عليه في محاجّة الكافر ، حين قال له : « رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ، قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ » الآية ( - « قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » . ( البقرة 258 ) ، لأنه كان يكتفي بأن يقول له : أنت

--> ( 37 ) الشرع لم يصرح بكون النفس ليست جسما ، عندما سئل النبي عن الروح وجاء الجواب : " وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ، قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي " ( الإسراء 85 ) . وما يريد ابن رشد بهذه الإشارة هو أنه لو أجاب الشرع بأن الروح ليست جسما لكان ذلك تنبيها ونوعا من التصريح بنفي الجسمية عن اللّه ، ولكنه لم ينفها عن الروح حتى لا تنفى تماما عن اللّه تماما ، وهو " نور " . ( 81 ) . س : سقط " إذا " من المتن ، وثبت في الهامش ( 82 ) س : سقط " ومحو لها من النفوس من . . . الشريعة " من المتن ، وثبت في الهامش . ( 83 ) . ت : سقط " الجسمية وكذلك تبين . . . نفي " ( 84 ) . ت : سقط " للجمهور ان لمكان . . . الصفة " .